الصيد الجائر في بحر العرب… نزيف الثروة البحرية في صمت

🖋الباحث / عمر منصور مباركوت

في أعماق بحر العرب حيث كانت أسراب الأسماك تملأ المياه حركةً وحياة تدور اليوم معركة صامتة بين الإنسان والطبيعة. فبينما كان البحر يوماً مصدر رزق كريم للصيادين اليمنيين أصبح اليوم ميدانياً للاستنزاف الجائر تنهب فيه الثروة السمكية بلا وازع ولا ضابط في ظل غياب الرقابة وضعف التشريعات وضعف الوعي البيئي.

🔴 أسباب الصيد الجائر .. بين الحاجة والجهل والطمع🔴

تبدأ المشكلة من قوارب الصيد التقليدي اليمنية التي تبحر يومياً إلى عمق البحر بحثاً عن الرزق. ومع تزايد أعداد القوارب بشكل عشوائي في ظل عدم توفر فرص العمل في المجالات الأخرى  وغياب التنظيم من قبل الجهات المختصة تحولت المنافسة إلى سباق محموم على الكميات لا على الجودة.

فالكثير من الصيادين يستخدمون شباكا أو شباك التحليق ضيقة الفتحات لا تترك فرصة لصغار الأسماك بالنمو إضافة إلى الاقفاص لما تسمي السخاوي أو القراقير بأعداد كبيرة جدا و يوضعوها فوق الشعاب المرجانية  ويستهدفون كل ما يتحرك في البحر دون تمييز بين الأنواع أو المواسم بل حتى في فترات التكاثر التي تعد الأخطر على المخزون السمكي. كما أن فقدان و ضياع هذا الاقفاص يتسبب بكارثة بيئة كبيرة وذلك بسبب دخول الأسماك إلى تلك الاقفاص دون أن تخرج منها مما يتسبب بموتها بشكل يومياً

كما أن ضعف الوعي البيئي لدى بعض الصيادين وغياب البرامج التوعوية والإرشادية من قبل الجمعيات السمكية جعل من الصيد الجائر عادة يومية لا يشعر أحد بخطرها إلا بعد فوات الأوان.

ولا يمكن إغفال الجانب الاقتصادي فارتفاع تكاليف المعيشة وغياب البدائل وفرص العمل دفع كثيرين من الصيادين إلى الصيد بطرق مختلفة  القوانين التشريعات و اللوائح السمكية  و عدم الالتزام بها مما فاقم حجم الضغط على الثروة البحرية.

تداعيات الاستنزاف: بحر يختنق وثروة تتلاشى

لقد أدت ممارسات الصيد الجائر إلى نتائج كارثية على المخزون السمكي في بحر العرب. فأنواع كثيرة من الأسماك بدأت بالانحسار والاختفاء من السواحل اليمنية مثل السردين والبياض والقرش وأنواع من الجحش والتونة ذات الزعانف الصفراء.

كما تراجعت كميات الصيد بشكلٍ عام، وأصبح الصيادون أنفسهم يشتكون من قلة الإنتاج وارتفاع تكاليف الرحلات في مفارقة مؤلمة حيث أصبح البحر الذي كان يفيض بالخيرات عاجزاً عن إطعام أبنائه.

وتنعكس هذه الأزمة على الصناعات السمكية إذ تواجه مصانع التصدير نقصاً متزايداً في المادة الخام ما يهدد فرص العمل في هذا القطاع الحيوي ويؤثر في الدخل القومي للبلاد التي تعتمد على الثروة السمكية كأحد أهم مواردها الاقتصادية بعد النفط.

🔵الحلول الممكنة ..إنقاذ البحر قبل فوات الأوان🔵

إن معالجة مشكلة الصيد الجائر تتطلب إرادة جماعية وجهدا وطنياً متكاملًا.

وفي مقدمة الحلول تأتي تفعيل القوانين الخاصة بتنظيم الصيد وفرض الرقابة البحرية على القوارب المخالفة مع منع الصيد في فترات التكاثر لضمان تجدد المخزون السمكي.

كما ينبغي تنظيم عملية الصيد القوارب الصيد التقليدي من خلال منح تراخيص و بطائق تحتوي على تعهد بمنح الصيد الجائر .

ولا تقل أهمية التوعية والتأهيل فالصياد هو الشريك الأساسي في الحماية ويجب إشراكه في حملات الإرشاد البيئي وبرامج التدريب حول الصيد المستدام واستخدام الشباك و ادوات و معدات الصيد القانونية التي تحافظ على صغار الأسماك.

كما يمكن دعم الصيادين بمشروعات بديلة موسمية لتقليل الضغط على الصيد المباشر.

🔴البحر لا يتحدث… لكنه يختنق🔴

إن ما يحدث في بحر العرب ليس مجرد خلل في نشاط اقتصادي بل تهديد مباشر للنظام البيئي ولحياة أجيال قادمة.

فالبحر الذي أعطى بسخاء لقرون طويلة يستحق أن نرد له الجميل بالحفاظ عليه.

وإذا لم تتخذ إجراءات حقيقية لوقف الصيد الجائر وتنظيمه فإننا سنستيقظ يوماً على بحر صامت بلا حياة، خال من الأسماك ومثقل بندم الصياد الذي قتل رزقه بيده

.

صحفي وباحث متخصص بعلوم البحر _ تهتم صحيفة بحَّار بأهم المعلومات والقضايا الخاصة بالبحر والبحارة على نطاق واسع كما تبرز اهم التقارير الاخبارية والمقالات العلمية المتخصصة من قبل باحثين متخصصين بالمجال